Menu

في الذكرى ال 58 لمعركة الكرامة الخالدة : المعركة شكلت نقطة تحول حاسمة في الصراع العربي الصهيوني بعدة نكسة حزيران 1967

عليان عليان

بوابة الهدف

تصادف هذه الأيام ذكرى معركة الكرامة الخالدة ، التي سجلت فيها المقاومة الفلسطينية بالتلاحم مع الجيش العربي الأردني الباسل ، انتصاراً حاسماً على جحافل قوات العدو الصهيوني التي كانت منتشية بالحسم العسكري الذي حققته في حرب عام 1967.

جاءت تلك المعركة لتضع حداً لمقولة "الجيش الصهيوني الذي لا يقهر"، ولتؤكد زيف هذه المقولة التي طالما رددها العدو، في محاولة بائسة ويائسة منه لزرع اليأس في روح ووجدان الأمة العربية.

 

مجريات المعركة

لقد بدأ العدوان الصهيوني في 21 آذار عام 1968 في محاولة للقضاء على الوجود الفدائي الفلسطيني في الأردن، إلّا أنّ الفدائيين الفلسطينيين الذين كان تعدادهم لا يتجاوز المئات، وبمشاركة عظيمة من الجيش الأردني ومدفعيته، وسكّان قرية الكرامة تصدوا لهذا العدوان في معركة استمرت أكثر من 16 ساعة أجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب الكامل من أرض المعركة.

انتهت المعركة وفشل العدو من تحقيق أهدافه عندما بدأ العدو بالانسحاب عند حوالي الساعة الثالثة عصرًا بعد أن طلب لأوّل مرّة في تاريخ الصراع الصهيوني - العربي، وقف إطلاق النار، بعد أن فشل في تحقيق أهدافه، حيث خرج من هذه المعركة خاسرًا ماديًا ومعنويًا رغم أنه حشد لهذا الهجوم لواء دروع، ولواء مشاة، ولواء مظليين و(7) كتائب مدفعية، و(7) أسراب من الطائرات الحربية المقاتلة والقاذفة.

لقد بلغ عدد الشهداء من الجيش الأردني ومن المقاومة الفلسطينية (185) شهيدًا بواقع (87) شهيدًا من الجيش الأردني و (98) من المقاومة الفلسطينية، وأسفرت المعركة عن مصرع 250 جنديًا "إسرائيليًا" وعن إصابة ما يزيد عن (450) جنديًا.

وكان وزير الحرب الصهيوني آنذاك – موشيه ديان- قد صرح عشية العدوان أثناء قيادته لقواته في مدينة أريحا قائلا : غداً سأكسر المقاومة، كما أكسر هذه البيضة التي في يدي"، لكن نتيجة المعركة، كانت على عكس ما تبجح به ديان، حيث انكسرت شوكة قواته علي أيدي رجال المقاومة الفلسطينية وأبطال الجيش العربي الأردني في ملحمة أسطورية سيظل يخلدها التاريخ بحروف من نور، حين رجع العدو الصهيوني يجر أذيال الهزيمة دون أن يتمكن من سحب العديد من آلياته ودباباته التي جرى إحضارها إلى ساحة المدرج الروماني في عمان، لتكون شاهداً حياً على هزيمة العدو وعلى انتصار إرادة المقاومة عند أبناء الأمة.

 

دروس معركة الكرامة

لقد جاءت تلك المعركة الخالدة التي امتزج فيها الدم الأردني بالدم الفلسطيني لتؤكد على جملة دروس، لا بد من تمًثلها في المرحلة الراهنة:

أولاً: أن الوحدة الوطنية ووحدة الدم على أرض المعركة، هي العامل الحاسم في تحقيق الحشد والتعبئة ضد العدو الصهيوني، وضد بقية أطراف التحالف الإمبريالي، وهي الشرط الضروري لخلق الحاضنة الجماهيرية للفعل المقاوم بشقيه الكلاسيكي والشعبي.

ثانيا: أن خيار المقاومة والمواجهة هو الخيار الوحيد والمجرب القادر على إلحاق الهزيمة بالعدو الصهيوني، عبر تحقيق سلسلة من الانتصارات التكتيكية التي تصب في تحقيق الأهداف الاستراتيجية وعلى رأسها تحرير فلسطين، ودحر الاحتلال الصهيوني الإمبريالي عن الأرض العربية المحتلة.

ثالثاً: أن خيار المواجهة في الكرامة الخالدة، شكل مقدمةً وحافزاً لمجمل الانتصارات اللاحقة في حرب تشرين 1973، وفي معارك ومواجهات الانتفاضتين الأولى والثانية وفي هزيمة الاحتلال في جنوب لبنان عامي 2000 و2006، وفي إفشال العدوان الصهيوني المتكرر على قطاع غزة عام 2008 ، 2012 ، 2014 ، 2020. ، وفي تدشين معركة طوفان الأقصى التاريخية في السابع من أكتوبر 2023.

رابعاً: أكدت معركة الكرامة الخالدة بمفاعيلها الممتدة حتى اللحظة الراهنة، بؤس الرهان على خيار التسوية والتطبيع، الذي لم يحرر أرضاً، ورهن القرار العربي والسيادة في العديد من الدول العربية للإملاءات الصهيو-أميركية.

لقد شكلت معركة الكرامة الخالدة، محطة بارزة للصمود والمقاومة والانتصار، ورداً على نكسة عام 1967، نقول نكسة وليس هزيمة، لأن الأمة وقواها القومية والتقدمية بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر، لم تسلم في حينه بنتائج الحرب، ورفضت الاستسلام لشروط العدو ، وبدأت تعد العدة لجولات جديدة لتنهي الآثار المأساوية، التي نجمت عن تلك الحرب وفي الذاكرة حرب الاستنزاف التي ألحقت بالعدو خسائر بشرية هائلة التي ترافقت مع وضع خطط (جرانيت) الخاصة بعبور قناة السويس، لتحرير الأراضي المحتلة عام 1967 بالتنسيق مع القيادة السورية آنذاك.

 

معركة الكرامة أعادت الاعتبار لثقة الأمة العربية بنفسها

شكلت معركة الكرامة نقطة تحول كبيرة في الصراع العربي – الصهيوني ، ونقطة تحوّل كبيرة بالنسبة للمقاومة الفلسطينيّة، وتجلّى ذلك في سيل طلبات التطوّع في فصائل المقاومة الفلسطينيّة، من جميع الجنسيات والفئات والقطاعات المهنيّة والأكاديميّة والعمريّة، بالإضافة إلى الجماهير الغفيرة التي شاركت في التظاهرات الكبرى التي شيّعت الشهداء في البلدان العربيّة الذين دُفنوا فيها.

لقد أعادت معركة الكرامة الخالدة، اعتبار الأمة العربية لنفسها، والثقة بقدراتها، حين التحمت المقاومة الفلسطينية مع الجيش العربي الأردني في خندق واحد، وتمكنا بكل كفاءة واقتدار من إفشال الهدفين الرئيسيين، من العدوان الصهيوني، ألا وهما احتلال المزيد من الأراضي الأردنية (الأغوار ومرتفعات السلط)، والقضاء على ظاهرة المقاومة الفلسطينية.

ولا تقل معركة الكرامة في أهميتها، وفي لحظتها التاريخية آنذاك، عن معركة السويس عام 1956، فإذا كانت معركة السويس قد أنهت وإلى الأبد الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، فإن معركة الكرامة حطمت ولأول مرة أسطورة التفوق الزائفة للجيش الصهيوني، تلك الصورة التي ترسخت في أذهان الأمة جراء نكسة عام 1967.

 

شهادات في ذكرى الكرامة

لقد اعترف العدو الصهيوني، بهزيمته في تلك المعركة، وفي الذاكرة ما قاله رئيس أركان جيش العدو آنذاك حاييم بارليف "بأن (إسرائيل) فقدت في هجومها، على الأردن آليات عسكرية، تعادل ثلاثة أضعاف ما فقدته في حرب حزيران"، كما وصف قائد مجموعة القتال الاسرائيلية، المقدم أهارون بيليد المعركة بقوله "لقد شاهدت قصفاً شديداً عدة مرات في حياتي، لكنني لم أر شيئاً كهذا من قبل، لقد أصيبت معظم دباباتي في العملية ما عدا اثنتين فقط".

وعلّق أحد كبار القادة العسكريين العالميين، رئيس أركان القوات المسلحة في الاتحاد السوفياتي في تلك الفترة "المارشال جريشكو:" "لقد شكّلت معركة الكرامة نقطة تحوّل في تاريخ العسكريّة العربيّة".

أمّا رئيس أركان الجيش الأردني حينها، الفريق "مشهور حديثة " علق على مخرجات المعركة بقوله : "أقول بكل فخر، إنني استطعت تجاوز الخلاف الذي كان ناشئًا آنذاك بين الفدائيين والسلطة الأردنيّة، فقاتل الطرفان جنبًا إلى جنب، وكقوةٍ موحّدة تحت شعار: كل البنادق ضد إسرائيل فكانت النتيجة مشرفة".

 

الوفاء لشهداء الكرامة يتطلب برنامج مهمات محددة

وأخيراً إن إحياء ذكرى معركة الكرامة، والوفاء لدماء شهداء الأرض والكرامة يتطلب ما يلي:

1- مغادرة خطاب التسوية البائس بعد أن أثبتت الحياة والتجربة الملموسة بؤس الرهان على هذا الخيار الذي جر الويلات على شعبنا وضرب وحدته وشكل غطاءً لتهويد الأرض والمقدسات.

2- إعادة الاعتبار لخيار المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح الفلسطيني.

3- التأكيد على الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة برنامج المقاومة، وليس على برنامج المفاوضات المستند إلى الاعتراف ب (إسرائيل) ونبذ المقاومة والتغني البائس بالشرعية الدولية.

4- إعادة الصراع مع العدو الصهيوني إلى مربعه الاستراتيجي الأول، في أنه كان ولا يزال وسيظل صراع وجود وليس صراع حدود، وأن سمة هذا الصراع تناحرية وبامتياز.

5- التأكيد وباستمرار على العمق العربي للقضية الفلسطينية، وأن معركة تحرير فلسطين بالبعد الاستراتيجي الحاسم، معركة عربية قومية، خاصة وأن الأطماع الصهيونية تتجاوز فلسطين إلى عموم الوطن العربي.

6- التأكيد على التحالفات مع بعض الدول في الإقليم ، المعادية للكيان الصهيوني ، بوصفها قضية حاسمة في إدارة الصراع مع العدو الصهيوأمريكي.